سطور من روايات لم تُكتَب

السبت، أكتوبر 25، 2008

ذرة ملح

كانت دائماً تتوقف كثيراً وتشرد وتضيع منها الوصفة كلّها فورَ سماعِها: "افصِلي البياض عن الصفار"، وكأنّ هذه العمليّة كالمشيِ بديهيّة أو كأنّها من المعلوم في الطبيخ بالضرورة لا تحتاج إلى شروحٍ أو مُتون.

تتذكّر هذا ثانيةً اليوم، بعد سبعة عشر عاماً من العمل الدءوب في المطبخ. لا تزال تظنّ أنّ ما يَروَنه بديهيّاً هو من المهارات المستحيلة.
"سلق البيض" الذي يُضرب به المثال في السهولة والـ"كَرْوَتة" بالنسبة لها عمليّة مستحيلة، فهي لم تطهُ أبداً بيْضَتِين بنفس الدرجة من صلابة الصفار، وهذا لأنّها ليست على يقين من المدّة المثلى لغليْ البيضة، ولا من التعديلات اللازمة حين يختلف عدد البيض أو مقاسه.
واليوم...
ها هي تتعجّب مرّة أخرى، بل تضحك، وتتذكّر حين كانت-قبل اختراع الڤيديو وبعده-تنقل وصفات "طبق رمضان" بكلّ إخلاص لأمِّها حتّى تعود الأخيرة من عملها وتضع تلك الوصفات في الدرج نفسه. اليوم فقط بالمناسبة اكتشفت أنّ أمّها لم تستخدِم أياً من مئات الوصفات التي كتبتها هي بعناية على مدى عشر سنوات.

ها هي أمام وصفة مماثلة تطلب فصل البياض عن الصفار، وتطلب "ذرّةً" من ملح!
تفهم أنّ المعنى مجازيّ، ليس لأنّ الملح ليس عُنصراً بسيطاً بل مرّكب من أكثر من ذرّة، بل لأنّ ولو كان المقصود حبّةً واحدة، فهذه أيضاً مهمّة شبه مستحيلة. ثم هل هي ذرّة ملح ناعم أم خشن؟
لعلّ الأرجح أن يستخدموا "حصوة ملح".

ويدخل زوجها البغل كالمعتاد، وتثور ثائرته كالمعتاد أنّ الأكل تأخّر، وأنّه لا معنى لكلّ هذا التعب إن كان الأكل في غير موعده وإن كان سيأكله بارداً بالتالي، لأنّه...
نعم.. بالتأكيد: جذب الباب بعنف وغطّ في نومةٍ عميقةٍ لم تذُقها هي منذ السنة الأولى في الكليّة.

أما المحروس ابن البغل، فقد ردّد تلك العبارة المقيّئة التي لا تدري بالتحديد من أيّ كتاب أحمق جاء بها من بين تلال الكتب التي ستصيبها-التلال لا الكتب-بانهيار عصبيّ والتي يمنعها من ترتيبها وتنظيفها بعناد لا يفوقه سوى عناده في تصفيف شعره المقزِّز!
"ماما. إنتِ قيمتك كبيرة جداً عندنا. حاولي تفصليها عن مهارتك في الطبيخ. إحنا ممكن ناكل أيّ حاجة.
قيمة الإنسان تتخطى أعماله وتنفصل عنها.
والله يحبّك بغض النظر عن كونك طباخة ماهرة أو مربيّة فاضلة"
...

التسميات: , , , , , , ,

لحظة القتل

-" أريد أن أنتقم ،وأنا أجبن من الانتقام منكم ،وأقوى من مجرد الانتقام مني.
أريدُ أن أنتقم من شئٍ يختصر كل القتلة،كل ما لم أفهمه في تحول القريبين ،كل الليالي التي نمتُ فيها بعد أن هدهدني الأمل بحكايا العودة بعد طول فراق .
نفادِ صبر من أحببتُ،ونفاد صبر القصة على أبطالها.
أريد جثة الحزن الملعونة لأتملى منها،لأدفنها دون صلاة. أريد العدم الذي يلي الثأر ،ذلك الفراغ بعد الفعل الكبير،فربما بعدها أمكنني البحث من جديد."

قالت ما قالت بكل جسدها،مطلقة الكلمات بتروٍ وببطء ،ثاقبة بها فقاقيع الصمت التي تراكمت فوقنا .
ثم وقفت ،وشملت المقهى بنظرة ضمتني فيها مع الذين لا تعرفهم.

وخرجت.